العلامة المجلسي

125

بحار الأنوار

العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض ، فما أبلغ حكمتك ! . ومنها : أن إبداء الإشكال طلبا " للجواب غير محظور ، فكأنه قيل : إلهنا أنت الحكيم الذي لا تفعل السفه البتة ، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟ أو أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فالملائكة نظروا إلى الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله : " إني أعلم مالا تعلمون " أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشرور القليلة . ومنها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى ، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . ومنها : أن قولهم : " أتجعل " مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا " ، ونحو قول موسى : " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " أي لا تهلك ، فقال تعالى : " إني أعلم ما لا تعلمون " من صلاحكم وصلاح هؤلاء ، فبين أنه اختار لهم السماء ولهؤلاء الأرض ليرضى كل فريق بما اختار الله له . ومنها : أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير : ( ألستم خير من ركب المطايا ) أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحا " : فكأنهم قالوا : إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ، لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة ، فقال تعالى : " إني أعلم ما لا تعلمون " فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل ، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي يقتضي اتخاذهم . والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال ، فلذلك ذكروا الفساد والسفك ، مع أن المراد أن مثل تلك الإفعال يصدر عن بعضهم ، ومثل هذا لا يعد غيبة ، ولو سلم فلا نسلم ذلك في حق من لم يوجد بعد ، ولو سلم فيكون غيبة للفساق وهي مجوزة ، ولو سلم فلا نسلم أن ذكر مثل ذلك لعلام الغيوب يكون محرما " ، لا سيما من الملائكة الذين جماعة منهم مأمورون بتفتيش أحوال الخلائق وإثباتها في الصحف وعرضها على الباري جل اسمه .